إعداد The Verificat + وكالات
عشرات الآلاف في قلب زغرب
تحولت أزمة نفايات مدفونة بصورة غير قانونية قرب مدينة غوسبيتش إلى قضية وطنية في كرواتيا، بعدما خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في وسط العاصمة زغرب مطالبين بإزالة عاجلة لنحو 37 ألف طن من المخلفات والتحقيق في المسؤولية عن وصولها إلى الموقع ودفن جزء كبير منها تحت الأرض.
وجاء التحرك تحت شعار «مسيرة من أجل ليكا»، في واحدة من أكبر الاحتجاجات البيئية التي شهدتها كرواتيا خلال السنوات الأخيرة، وسط غضب متصاعد من وتيرة معالجة الموقع ومخاوف من تأثير الملوثات في التربة والمياه الجوفية.
القضية لم تعد تتعلق بمكب غير قانوني فحسب. نتائج فحوص بيئية كشفت وجود معادن ومواد كيميائية دائمة من مجموعة PFAS في المياه الجوفية أسفل الموقع أو باتجاه جريانها، ما نقل الملف من مخالفة في إدارة النفايات إلى أزمة تتعلق بالبيئة والصحة العامة والثقة في مؤسسات الدولة.

ماذا يوجد تحت الأرض؟
تعود القضية إلى مجمع صناعي مهجور في شارع بيلايسكا بمدينة غوسبيتش، حيث قدّر تقرير فني أُعد بطلب من مكتب مكافحة الفساد والجريمة المنظمة الكرواتي USKOK وجود نحو 37 ألف طن من النفايات المختلطة في الجزء الذي جرى فحصه من الموقع.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن ما يقارب 33 ألف طن منها مدفون تحت الأرض، فيما تشمل المخلفات بقايا معالجة أجهزة كهربائية وإلكترونية، وبلاستيكاً ومطاطاً ومنسوجات ومواد بناء ومعادن، إضافة إلى أجزاء من نفايات طبية.
كما أظهرت الفحوص تلوثاً للتربة ووجود تراكيز مرتفعة لبعض المعادن الثقيلة وخصائص سُمّية بيئية، إلى جانب العثور على مركبات PFAS في المياه الجوفية باتجاه جريان المياه من الموقع.
وهذه المواد، التي يطلق عليها أحياناً اسم «المواد الكيميائية الأبدية»، تتميز بقدرتها على البقاء فترات طويلة في البيئة وصعوبة تحللها الطبيعي.
لماذا تثير غوسبيتش قلقاً خاصاً؟
الموقع يقع في منطقة ليكا ذات التضاريس الكارستية، وهي بيئة جيولوجية تتكون من صخور قابلة للتشقق والذوبان وتحتوي على تجاويف وقنوات جوفية تسمح للمياه بالتحرك لمسافات يصعب أحياناً تتبعها بالطرق التقليدية.
وهذا يجعل أي تلوث للمياه الجوفية أكثر حساسية من وجوده في تربة معزولة نسبياً.
فالملوث الذي يدخل شبكة المياه تحت الأرض قد لا يبقى محصوراً مباشرة تحت موقع النفايات، بل يمكن أن يتحرك عبر مسارات جيولوجية مترابطة.
ولهذا حذر خبراء وناشطون من أن الخطر المحتمل قد يمتد إلى أنظمة مائية أوسع، وصولاً نظرياً إلى أحواض مرتبطة بالبحر الأدرياتيكي إذا سمحت اتجاهات الجريان بذلك.
لكن وجود PFAS أو معادن في المياه الجوفية قرب الموقع لا يعني تلقائياً أن مياه الشرب التي تصل إلى سكان غوسبيتش ملوثة.
فرق مهم بين المياه الجوفية ومياه الشرب
أعلن المعهد الكرواتي للصحة العامة أن عينات أُخذت خلال 2026 من مصدر مياه Mrđenovac ومن شبكة المياه التي تصل إلى المستهلكين أظهرت أن المركبات العشرين من مجموعة PFAS التي جرى فحصها كانت أقل من حدود القياس الكمي.
كما أوضح أن المياه الجوفية التي كُشف فيها PFAS قرب موقع النفايات ليست جزءاً من شبكة الإمداد العامة بمياه الشرب.
وهذا التفصيل ضروري لفهم مستوى الخطر بصورة دقيقة: التلوث البيئي مثبت في الموقع والمياه الجوفية المرتبطة به، بينما لا تثبت البيانات المنشورة حتى الآن تلوث مياه الشرب العامة في غوسبيتش بـPFAS.
لكن استمرار مصدر ضخم من النفايات تحت الأرض يجعل المراقبة المتكررة للمياه والتربة ضرورة لا إجراءً مؤقتاً.
من أين جاءت النفايات؟
بحسب التحقيقات والتقارير المنشورة، جاء جانب من النفايات إلى كرواتيا من دول أوروبية، وبرزت خصوصاً شحنات مرتبطة بإيطاليا، فيما وردت أيضاً إشارات إلى سلوفينيا وألمانيا.
وتثير هذه النقطة سؤالاً أوسع يتعلق برقابة حركة النفايات داخل الاتحاد الأوروبي.
فنقل النفايات عبر الحدود يخضع لقواعد تحدد طبيعتها ومسارها والمنشأة التي ستستقبلها وكيفية معالجتها، وأي تلاعب بالتصنيف أو الوثائق أو الوجهة النهائية يمكن أن يحول التجارة المشروعة في المواد القابلة لإعادة التدوير إلى مسار للتخلص غير القانوني من نفايات باهظة الكلفة.
ولهذا لا يطالب المحتجون بالتنظيف وحده، بل أيضاً بتحديد سلسلة المسؤولية: من استورد؟ من نقل؟ من سمح؟ من عرف؟ ومن استفاد؟
ما الذي يريده المحتجون؟
رفع المتظاهرون في زغرب ثلاثة مطالب أساسية: إزالة النفايات سريعاً، وكشف خطة حكومية واضحة بجدول زمني، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة البيئية.
كما طالب بعض منظمي الاحتجاج بتشديد القيود على استيراد النفايات إلى كرواتيا، معتبرين أن الأزمة أثبتت وجود ثغرات في نظام الرقابة.
ورددت الاحتجاجات اتهامات للحكومة بالتباطؤ والتقصير، فيما رفع المشاركون شعارات تربط القضية بحق السكان في هواء وماء وتربة نظيفة.
هذه الاتهامات تظل مواقف سياسية واحتجاجية إلى أن تُحسم المسؤوليات الجنائية والإدارية أمام الجهات المختصة، لكنها تعكس مستوى مرتفعاً من انعدام الثقة بين السكان والسلطات.
الحكومة تقول إنها بدأت التحرك
في المقابل، تقول الحكومة الكرواتية إنها لم تتجاهل الملف وإن عمليات التحقيق والمعالجة مستمرة.
وأعلنت السلطات اختيار متعهد للمرحلة الأولى من إزالة النفايات، فيما طرحت إجراءات منفصلة لمعالجة نحو 4,500 طن من النفايات الخطرة وقرابة 650 طناً من النفايات غير الخطرة المخزنة في أكياس.
كما قالت وزارة البيئة إنها تواصلت مع عشرات الجهات الأجنبية بحثاً عن منشآت قادرة على استقبال بعض النفايات، في ظل محدودية قدرات المعالجة داخل كرواتيا لبعض أنواع المواد الخطرة.
لكن بالنسبة إلى المحتجين، فإن الإعلان عن المناقصات أو اختيار شركة لا يساوي تنظيف الموقع فعلياً.
المعيار الذي يطالبون به أكثر وضوحاً: كم طن أُزيل؟ إلى أين نُقل؟ كيف عولج؟ وما نتائج فحوص التربة والمياه بعد كل مرحلة؟
بلينكوفيتش يرفض الاتهامات
رفض رئيس الوزراء الكرواتي أندريه بلينكوفيتش تصوير القضية باعتبارها دليلاً على تقاعس حكومي، واعتبر أن جانباً من الضجة المحيطة بها تحركه دوافع سياسية.
لكن هذا الموقف لم يهدئ الشارع.
فالقضية تحولت أيضاً إلى صراع سياسي، مع تحركات للمعارضة داخل البرلمان ودعوات إلى جلسات استثنائية، بالتوازي مع نقاش بشأن إدخال جريمة الإبادة البيئية «Ecocide» ضمن التشريعات الجنائية الأكثر تشدداً.
إزالة 37 ألف طن ليست عملية نقل عادية
التحدي المقبل سيكون هندسياً وبيئياً بقدر ما هو سياسي.
النفايات الخطرة لا يمكن تحميلها على شاحنات ونقلها إلى مكب آخر ببساطة.
يجب أولاً تحديد نوع كل مادة ودرجة خطورتها، وفصل المكونات المختلفة، ومنع تطاير الغبار أو تسرب السوائل أثناء الحفر، واستخدام عبوات ووسائل نقل مناسبة، ثم إرسالها إلى منشآت مرخصة تستطيع معالجتها أو التخلص منها وفق المعايير الأوروبية.
بعد ذلك تبدأ مرحلة أخرى قد تكون أطول: فحص التربة التي كانت تحت النفايات، وتحديد ما إذا كان يلزم حفرها وإزالتها أو معالجتها في الموقع، ثم مراقبة المياه الجوفية لفترة كافية لمعرفة ما إذا كانت تراكيز الملوثات تنخفض أم يستمر تسربها من مصادر لم تُزل بعد.
وهذا يعني أن انتهاء نقل آخر شاحنة من النفايات لن يعني بالضرورة انتهاء الأزمة البيئية.
المشكلة الأكبر: مصدر التلوث المستمر
وصفت أمينة المظالم الكرواتية النفايات الموجودة في الموقع بأنها مصدر مستمر للخطر، مستندة إلى التقييم الفني الذي خلص إلى تدهور بيئي ووجود خطر حقيقي ومتوقع لمزيد من الأضرار إذا لم تتم المعالجة والإزالة.
وهذا يفسر استعجال السكان.
كل فترة يبقى فيها عشرات آلاف الأطنان في الأرض تعني استمرار احتمال انتقال بعض الملوثات عبر المياه أو التربة، حتى لو لم يكن من الممكن تحديد الأثر الصحي على السكان من دون بيانات تعرض دقيقة.
ما المؤكد حتى الآن؟
المؤكد أن موقع غوسبيتش يحتوي على نحو 37 ألف طن من النفايات المختلطة، معظمها مدفون تحت الأرض، وأن التقييمات الفنية أثبتت تلوثاً للتربة ووجود PFAS في المياه الجوفية المرتبطة بالموقع.
والمؤكد أيضاً أن عشرات الآلاف تظاهروا في زغرب مطالبين بتسريع الإزالة والمحاسبة، فيما تقول الحكومة إنها بدأت إجراءات المعالجة واختيار المتعهدين.
أما الامتداد الكامل للتلوث، والكلفة النهائية للتنظيف، والمدة اللازمة لمعالجة الموقع، والتأثير الصحي الفعلي على السكان فلا تزال أسئلة مفتوحة تحتاج إلى بيانات إضافية.
أزمة ثقة بقدر ما هي أزمة نفايات
غوسبيتش اليوم ليست مجرد قصة عن 37 ألف طن من المخلفات.
إنها اختبار لقدرة الدولة على تعقب النفايات العابرة للحدود، وملاحقة المسؤولين عن دفنها، وتأمين موقع جيولوجي حساس، وإقناع السكان بأن المياه والتربة تخضعان لمراقبة يمكن الوثوق بها.
وسيكون المعيار الحقيقي لاحتواء الأزمة أقل ارتباطاً بالتصريحات السياسية وأكثر ارتباطاً بأرقام يمكن التحقق منها: كم أُزيل من النفايات، أين عولج، ماذا أظهرت عينات المياه الجديدة، ومن ستثبت التحقيقات مسؤوليته عن وصول هذه الكميات إلى قلب ليكا؟
وحتى الإجابة عن هذه الأسئلة، سيبقى موقع غوسبيتش بالنسبة إلى كثير من الكروات رمزاً لمشكلة أكبر: نفايات خُبئت تحت الأرض، لكنها أعادت إلى السطح أزمة ثقة يصعب دفنها بالسهولة نفسها.
المصادر
-
وكالة أسوشيتد برس – سبتمبر 2026
-
رويترز – 5 سبتمبر 2026
-
مكتب مكافحة الفساد والجريمة المنظمة الكرواتي USKOK
-
البرلمان الكرواتي
-
المعهد الكرواتي للصحة العامة
-
أمينة المظالم في كرواتيا
-
وزارة حماية البيئة والتحول الأخضر الكرواتية
